الخميس 27 آذار , 2025 03:32

الصراع الأميركي-الصيني: تناقضات الهيمنة ومأزق العولمة

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، قدمت الولايات المتحدة نفسها كراعية للنظام العالمي الليبرالي، حيث تنساب التجارة بحريّة، وتسود قواعد السوق المفتوح، وتُحترم آليات العولمة كحتمية اقتصادية. غير أن صعود الصين إلى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى كشف عن تناقض بنيوي في هذا الخطاب. فمع تزايد النفوذ الصيني، انتقلت واشنطن من التبشير بالعولمة إلى محاربتها، ومن الدعوة إلى إزالة القيود إلى فرضها، في محاولة لضبط مسار النظام الدولي وفقاً لمصالحها الاستراتيجية.

عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 أعادت التأكيد على هذا التحول، حيث دخلت العلاقة بين القوتين مرحلة جديدة من التصعيد، قوامها سياسات حمائية متشددة، ومواجهات تكنولوجية، وحرب باردة تتخذ أبعاداً اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل النظام العالمي: هل نحن أمام نهاية العولمة كما صاغتها واشنطن، أم إعادة تشكيلها خارج الهيمنة الأميركية؟

-الحرب التجارية: إعادة تعريف السوق الحر وفقاً للمصلحة الأميركية

عندما فرض ترامب في ولايته الأولى (2017-2021) رسوماً جمركية صارمة على السلع الصينية، كان المبرر حماية الاقتصاد الأميركي من "الممارسات غير العادلة". لكن مع استمراره في هذا النهج بعد عودته إلى الحكم، أصبح من الواضح أن الهدف يتجاوز مجرد تحقيق التوازن التجاري إلى محاولة احتواء الصعود الصيني ومنع بكين من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.

لم تعد الولايات المتحدة تدافع عن اقتصاد السوق، بل تستخدم نفوذها المالي والدبلوماسي لتقييد الشركات الصينية وإقصائها من سلاسل التوريد العالمية. وعلى الرغم من أن الصين تعاملت مع هذه السياسات بتكتيك حذر، مستفيدةً من أسواق بديلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، إلا أن الحرب التجارية بين الطرفين باتت تكشف عن جوهر الصراع: واشنطن لا تعارض هيمنة اقتصادية بحد ذاتها، بل تعارض أي هيمنة لا تكون لها اليد العليا فيها.

-التكنولوجيا: صراع على التفوق العلمي أم احتكار للمعرفة

التكنولوجيا ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي المحرك الأساسي للقوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لذا، فإن التنافس بين واشنطن وبكين لم يعد يدور فقط حول من ينتج أكثر، بل حول من يتحكم في قواعد اللعبة. فرضت الإدارة الأميركية قيوداً صارمة على تصدير أشباه الموصلات إلى الصين، ومنعت الشركات الصينية من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، في محاولة لمنع بكين من تحقيق استقلالها التقني.

بالمقابل، ضخت الصين استثمارات ضخمة في الصناعات التكنولوجية المحلية، محاولةً تحويل الحصار الأميركي إلى فرصة لبناء منظومة تكنولوجية مستقلة. وإذا كانت واشنطن قد نجحت مؤقتاً في إبطاء التقدم الصيني، فإنها في الوقت ذاته سرعت من ديناميكيات الفصل التكنولوجي (Decoupling)، مما قد يؤدي إلى تشكيل نظامين اقتصاديين منفصلين، أحدهما بقيادة الولايات المتحدة والآخر بقيادة الصين، وهو تحول ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل الاقتصاد العالمي.

-تايوان وبحر الصين الجنوبي: عسكرة النزاع للحفاظ على التفوق

إذا كان الاقتصاد والتكنولوجيا يمثلان ساحة الصراع الأولى بين القوتين، فإن الجغرافيا السياسية هي المجال الأكثر حساسية وخطورة. فمنذ بدء عام 2025، كثفت واشنطن دعمها العسكري لتايوان، ليس فقط من باب الالتزام التاريخي بحماية "الديمقراطيات"، بل لأن الجزيرة تمثل نقطة ارتكاز في أي استراتيجية تهدف إلى احتواء الصين.

بكين من جهتها، اعتبرت هذه التحركات بمثابة تجاوز للخطوط الحمراء، وردت بتعزيز وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، مما زاد من احتمالية وقوع صدام عسكري مباشر. وبينما تحاول واشنطن تصوير هذه المواجهة كصراع بين "الحرية والاستبداد"، فإن الحقيقة أكثر تعقيداً: الولايات المتحدة لا تدافع عن تايوان كقضية أخلاقية، بل كوسيلة للحفاظ على ميزان القوى في آسيا، ومنع الصين من فرض واقع جيوسياسي جديد.

-الهيمنة الرقمية: حرب غير مرئية، لكنها حاسمة

إلى جانب المواجهة الاقتصادية والعسكرية، هناك ساحة أخرى للصراع لا تقل أهمية: الفضاء السيبراني. فالولايات المتحدة، التي تتهم الصين بتنفيذ هجمات إلكترونية، هي نفسها أكبر قوة سيبرانية في العالم، وتستخدم قدراتها الاستخباراتية للتجسس على بكين، واختراق شبكات الاتصالات الصينية، ومحاولة التأثير على الرأي العام داخل الصين من خلال منصات التواصل الاجتماعي.

بكين، بدورها، أدركت أن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يمتلك الموارد المادية، بل حول من يسيطر على تدفق المعلومات. ولهذا، عززت استثماراتها في تقنيات الأمن السيبراني، وفرضت رقابة مشددة على المنصات الرقمية الغربية، محاولةً بناء منظومة اتصالات لا تخضع للهيمنة الأميركية. وهكذا، فإن ما بدأ كمواجهة تجارية أصبح اليوم حرباً على السيطرة على الفضاء الرقمي، حيث بات كل طرف يسعى لاحتكار التكنولوجيا التي ستحدد معالم النظام العالمي في المستقبل.

ما نشهده اليوم ليس مجرد تنافس بين قوتين عظميين، بل هو معركة على شكل النظام الدولي المقبل. فالولايات المتحدة، التي كانت تدعو إلى نظام عالمي مفتوح، أصبحت اليوم تقاتل للإبقاء عليه مغلقاً أمام أي منافس قد يهدد تفوقها. والصين، التي كانت لاعباً صاعداً في ظل القواعد الأميركية، تسعى اليوم لفرض قواعد جديدة تكسر احتكار واشنطن لمراكز النفوذ العالمية.

السؤال ليس ما إذا كان الصدام بين الطرفين سيستمر، بل بأي وتيرة؟ هل ستتمكن واشنطن من كبح الصعود الصيني دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة؟ وهل تستطيع بكين تجاوز الحصار الأميركي دون إثارة رد فعل عسكري؟ الأكيد أن العالم لم يعد كما كان قبل عقدين، وأن منطق العولمة الذي دافعت عنه الولايات المتحدة طويلاً قد يصبح في النهاية أكبر ضحية لسياساتها هي نفسها.


الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور