يُعدّ التطبيع مع إسرائيل من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في لبنان، نظراً للسياقات التاريخية والسياسية والجغرافية التي تحكم العلاقة بين البلدين. فمنذ تأسيس كيان الاحتلال عام 1948، تبنّى لبنان موقفاً رسمياً رافضاً لأي شكل من أشكال التطبيع، مستنداً إلى الاعتبارات القومية والعربية، وإلى الصراع المستمر الذي تجلّى في الاجتياحات الإسرائيلية للبنان، واحتلال أجزاء من أراضيه حتى عام 2000، وعدوانه في 2006.
ورغم أن لبنان لا يزال ملتزماً بموقف المقاطعة الرسمي، إلا أن التحولات الإقليمية والدولية، لا سيما مع انطلاق عملية طوفان الاقصى، والعدوان على غزة ثم على لبنان، وبعد اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني أثيرت تساؤلات حول إمكانية تأثر لبنان بهذا المسار.
فما هي درجة التمثيل الشعبي المؤيدة للتطبيع او الرافضة له في لبنان، وبالتالي مدى واقعية الذهاب نحو هذه الخطوة؟ يقدم الاستاذ علي ناصر الدين، المتخصص في مجال استطلاع الرأي العام (اذار 2025)، قراءة عبر اتخاذ عينة (من مختلف الطوائف الاساسية والوازنة في لبنان)، ومن خلال طرح بعض الاسئلة:
السؤال الاول: هل تعتبر التطبيع مع الكيان الصهيوني تهديداً أم فرصة؟
بالتوزيع الطائفي، (وفقا للطوائف الاساسية الوازنة في البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية)، يبدو الشيعة الاكثر وضوحاً في اعتبار أي خطوة نحو التطبيع مع العدو هي تهديد للبنان، لأمنه وسيادته وسلامة أراضيه وشعبه، أما بالنسبة للسنة والدروز والمسيحيين، فاللافت هو التقارب في النسب بين من يعتبر هذه الخطوة فرصة (ما بين 33 الى 52%) وبين من يعتبر هذه الخطوة تهديد (33 الى 51%). لكن بالنظر إلى مجموع النسب فالواضح أن 60% من مجموع العينة من مختلف الطوائف التي تم استطلاعها تعتبر أن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو تهديد للأمن القومي اللبناني ولمستقبل البلد، في حين يعتبر (31.33%) أن هذه الخطوة فرصة.
السؤال الثاني: هل تعتبر الوقت الراهن، هو الوقت المناسب للسلام مع اسرائيل؟
بالتوزيع الطائفي، (وفقا للطوائف الاساسية الوازنة في البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية)، يبدو الشيعة الاكثر وضوحاً في اعتبار أن الوقت الراهن هو الوقت غير المناسب للسلام مع اسرائيل، بنسبة 97.53% ولا يمكن الذهاب نحو هذه الخطوة في هذه المرحلة. أمّا بالنسبة للدروز والمسيحيين والسنة فتتقارب النسب بين (44 الى 61%) من يعتبرون أن الوقت مناسب للذهاب نحو هذه الخطوة، أمّا من يعتبرون أن الوقت غير مناسب فتتراوح النسب بين (35 و46%). لكن بالنظر للمجموع فيعتبر المستطلعون من كل الطوائف (57.07%) أن الوقت غير مناسب لاتخاذ مثل هكذا خطوة، في حين يعتبر (38.06%) أن هذا ممكن.
بالنتيجة، وبقراءة لهذا الاستطلاع يعتبر نصف الشعب اللبناني (بين 50 الى 60%) من مختلف الطوائف أنّ الذهاب نحو خطوة التطبيع مع العدو في هذه الظروف التي يمر بها لبنان والمنطقة يشكّل تهديداً لبنيته السياسية والاجتماعية، وبالتالي ستكون له تداعيات خطيرة على لبنان الدولة، والشعب.
ختاماً، التطبيع في لبنان ليس مجرد قرار سياسي، بل قد يتحول إلى أزمة وطنية كبرى قد تعيد إنتاج الانقسامات الطائفية والسياسية، بل وحتى إشعال فتيل العنف الداخلي. بالنظر إلى التجارب السابقة، من الواضح أن أي محاولة تطبيع دون توافق داخلي واسع قد تؤدي إلى حالة من الفوضى والانقسام، وربما حرب داخلية بين القوى الرافضة والمؤيدة لهذا المسار. فالمقاومة في لبنان؛ حزب الله، والقوى الوطنية يعتبرون التطبيع خيانة، وقد يتعاملون معه كخطر وجودي.
الكاتب: غرفة التحرير