الجمعة 28 شباط , 2025 12:16

التطبيع وإعادة صياغة النظام الإقليمي

لا يختلف اليوم وضع الشرق الأوسط عن مشهد عام مضطرب، مليء بالتحولات الاستراتيجية التي تتعدى مجرد تغييرات في العلاقات بين الدول. إذ لا تكمن القصة الحقيقية في اتفاقات التطبيع التي أبرمت مع إسرائيل، بقدر ما تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي، بل وإعادة تعريف الدور التاريخي للفلسطينيين كقضية مركزية في السياسة العربية.

على الرغم من ادعاءات بعض الأطراف التي ربطت التطبيع بإمكانية تحفيز مسار السلام، إلا أن الحقيقة تكمن في أن المنطقة دخلت حقبة جديدة من الحروب الباردة الإقليمية، حيث أصبحت إسرائيل عنصراً أساسياً في النظام الأمني والسياسي، ليس فقط على المستوى العسكري ولكن على مستوى الاقتصاد السياسي أيضاً. الدول العربية التي أقدمت على التطبيع مع تل أبيب لم تُظهر أي استجابة حقيقية لمطالب شعوبها في تحقيق العدالة لفلسطين، بل استبدلت الخطاب التقليدي المتعلق بحل الدولتين بخطاب اقتصادي براغماتي.

اليوم، تزداد تلك الأنظمة العربية، التي اختارت أن تتعاون مع إسرائيل، تموضعاً في معسكرات لا علاقة لها بالعدالة أو الحقوق. فتحت ستار التطبيع، اختفت فلسطين من جدول الأعمال الاستراتيجي لهذه الأنظمة، التي أرادت أن تظهر أمام الغرب كأطراف فاعلة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بينما في الواقع كانت تلك الأنظمة تقوم بخدمة أجندات أخرى، ليس أقلها بناء تحالفات أمنية مع إسرائيل لتأمين العروش. هذا التواطؤ، الذي يبدو ظاهرياً من أجل جلب الاستثمارات والتكنولوجيا، لا يعكس إلا نوعاً من التحالفات الأمنية التي تركز على عزل القوى الإقليمية التي لا تروق للغرب.

من جهة أخرى، لم تنجح هذه الدول في تقديم نموذج يُحتذى به في استراتيجيات استثمار حقيقية تُحسن من حياة الشعوب، بل إن الانفتاح على إسرائيل لم يكن إلا مدخلاً لإعادة تأهيل الأنظمة التي تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة. الاتفاقات الاقتصادية، التي روج لها على أنها فرص كبيرة، لا تقدم للشعوب العربية أكثر من تحسينات شكلية في نواحي قليلة، بينما تظل القضايا الجوهرية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والسياسية تُهمل وتُداس.

وبالنظر إلى هذا التحول، يتضح لنا أن التطبيع لم يكن مجرد انعكاس لواقع جديد بل كان من صنع القوى الغربية التي أرادت أن تخلق توازناً جديداً في المنطقة بعيداً عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. من خلال تحفيز بعض الأنظمة العربية على الاعتراف بإسرائيل، تم

اختراق الخطوط الحمراء التي كانت تُعتبر من المحرمات. ومتى تم اختراق هذا الخط الأحمر، أصبحت القضية الفلسطينية، في عين هذه الأنظمة، مجرد تفصيل في المشهد الإقليمي المعقد. كانت القضية الفلسطينية، ذات يوم، تمثل مصدراً للشرعية السياسية لهذه الأنظمة، ولكن اليوم، تحولت إلى عبء يثقل كاهل تلك الأنظمة، مما يعكس تحوّلاً عميقاً في الوعي الجمعي العربي تجاه حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

لكن هذا التحول في الاستراتيجيات السياسية لا يعبر عن النهاية الحتمية للقضية الفلسطينية. بل هو، في النهاية، محاولة لفرض واقع جديد بالقوة. وبالرغم من أن التطبيع مع إسرائيل قد يبدو في الظاهر خطوة نحو تحسين العلاقات الإقليمية، إلا أنه في العمق يعكس تغيّراً في هيكلية النظام الإقليمي الذي كان يُفترض أن يقوم على قيم قومية مشتركة. حتى وإن كان هناك ظاهرياً تحسن في العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلا أن الفلسطينيين، الذين كانوا دوماً في قلب الصراع، لا يزالون يمثلون حجر الزاوية في هذه المعادلة.

فالدور الذي تلعبه إسرائيل في هذا السياق ليس مجرد دور دولة تحاول أن تشرعن وجودها، بل هو دور مُخطط له بعناية لإعادة رسم معالم المنطقة في إطار يشمل الهيمنة الاقتصادية والعسكرية على بعض دولها. هذه الهيمنة لا تقتصر على المسارات الاقتصادية والأمنية، بل تمتد إلى محاولة تغيير أنماط التفكير الثقافية والسياسية في المنطقة، ما يفتح المجال أمام مشاريع تستهدف تفتيت الهوية العربية بشكل أوسع.

في ظل هذا الواقع الجديد، تبقى الأسئلة الحقيقية: إلى أي مدى يمكن لهذا النظام الإقليمي الجديد أن يصمد؟ وهل سينجح في تحقيق استقرار مفقود أم سيشعل مزيداً من الاحتقان؟ وما هو مستقبل فلسطين في هذه المعادلة التي تتشكل الآن؟ تلك هي الأسئلة التي قد لا تظهر اليوم في الأخبار، ولكنها تظل تتردد في أذهان كل من يراقب التحولات الجذرية التي تمر بها المنطقة. من جهة أخرى، فإن الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية التي تؤمن بخيار المقاومة، سيظل معادلة قائمة بحد ذاتها، لا يمكن تجاوزها مهما ذهبت الأنظمة بعيداً في مشاريعها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور