أقر الكنيست الإسرائيلي مؤخراً ميزانية الدولة لعام 2025، في خطوة وصفها البعض بأنها "خلاص" لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تمكنت أخيرًا من تمرير هذه الميزانية رغم التحديات الاقتصادية والأمنية الضخمة. لكن في المقابل، اعتبر آخرون أن هذه الميزانية تشكل قنبلة موقوتة تهدد استقرار الاقتصاد الإسرائيلي على المدى البعيد. في الواقع، تلقي الميزانية الضوء على مفارقة غريبة: هي بمثابة شريان حياة على المدى القصير، لكنها قد تكون بداية انهيار اقتصادي في المستقبل القريب.
يأتي إقرار هذه الميزانية بعد عام من الضغوط الداخلية والخارجية على حكومة نتنياهو. منذ بداية الحرب في غزة في أكتوبر 2023، تحملت إسرائيل تكاليف باهظة في نفقات الدفاع، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ تدابير مالية استثنائية. وحين تم إقرار الميزانية، بدا أن نتنياهو قد تمكن أخيرًا من الخروج من أزمة سياسية حادة، إذ تمكن من الحصول على دعم الأحزاب الائتلافية التي كانت تعارضه في السابق.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار الميزانية بمثابة "خلاص" للحكومة التي كانت مهددة بفقدان السيطرة على المشهد السياسي والاقتصادي. هذا الإقرار جاء بعد نقاشات صعبة، لكن مع ضمان استمرار تمويل الحرب حتى الآن، كما أن خطة إعادة الإعمار بعد الحرب قد بدأت في أخذ مسارها. في هذا السياق، بدا أن الحكومة حصلت على الضوء الأخضر لإعادة الاقتصاد إلى سكة الثبات، على الأقل مؤقتًا.
رغم هذه الصورة الوردية التي قدمتها الحكومة حول إقرار الميزانية، إلا أن تقرير بنك إسرائيل الذي تم نشره عقب المصادقة على الميزانية يحمل رسالة مختلفة تمامًا. التحليل الاقتصادي للبنك يشير إلى أن الميزانية لا تفي بالتحديات الاقتصادية الكبرى التي يواجهها الاقتصاد الإسرائيلي. في الواقع، لم تُترجم التعديلات التي أجرتها الحكومة إلى خطوات حقيقية لتحفيز النمو الاقتصادي أو تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي.
على الرغم من أن الميزانية تهدف إلى تغطية النفقات العسكرية وإعادة الإعمار، فإن العجز المالي في الميزانية بلغ 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وهو رقم يتجاوز بكثير الحدود المقبولة اقتصاديًا. والأكثر خطورة هو أن هذه الزيادة في العجز تم تمويلها من خلال زيادة الدين العام، وهو ما يجعل الاقتصاد الإسرائيلي عرضة لتقلبات السوق العالمية.
بالرغم من محاولات الحكومة تبرير الإنفاق العسكري الكبير والضروري لأمن البلاد، إلا أن التقرير السنوي لبنك إسرائيل يقدم تحليلًا أكثر تشاؤمًا. أحد أبرز التحذيرات التي أوردها التقرير هو أن التوقعات بوجود إصلاحات حقيقية في الهيكل الاقتصادي للبلاد لا تزال بعيدة. فميزانية 2025 تتضمن تخفيضات ضريبية وتوسيعًا في عجز الميزانية، لكن من دون أن تلامس جوهر المشكلة: انخفاض كفاءة الإنفاق الحكومي، وعدم معالجة الاختلالات في سوق العمل، خصوصًا فيما يتعلق بالشباب الحريديم.
تقرير بنك إسرائيل يشير إلى أن الوضع القائم اليوم لا يمكن أن يستمر. فحرب غزة، رغم تأثيرها الكبير على النفقات العسكرية، لا تزال تتطلب المزيد من الإنفاق الذي يستهلك جزءًا كبيرًا من الميزانية. وفي هذا السياق، تصبح الميزانية وكأنها قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الاقتصاد إذا استمرت الحكومة في إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري على حساب الإصلاحات الاقتصادية المستدامة.
من بين أهم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الإسرائيلي في ضوء الميزانية الأخيرة هو التزايد المستمر في عبء الخدمة العسكرية، لا سيما خدمة الاحتياط. هذا العبء، الذي يزداد بشكل مضطرد في ظل الحرب، سيكون له تبعات اقتصادية وخيمة على المدى الطويل. إذ من المتوقع أن يرتفع معدل البطالة في القطاعات غير العسكرية بسبب اضطرار الشباب الإسرائيلي للخدمة العسكرية لفترات أطول.
الأمر الأكثر تعقيدًا هو مسألة عدم مساهمة مجموعات مثل الحريديم في تحمل العبء العسكري والاقتصادي، مما يضع عبئًا إضافيًا على الاقتصاد الإسرائيلي في فترة ما بعد الحرب. التقرير أشار إلى أن دمج هذه المجموعات في الجيش وسوق العمل هو ضرورة ملحة لتحسين الوضع الاقتصادي، لكن الأمور لا تتطور في هذا الاتجاه.
الميزانية الجديدة قد تكون بمثابة تنفس مؤقت لحكومة نتنياهو، لكنها قد تضع الاقتصاد الإسرائيلي على حافة الانهيار إذا لم تُتخذ خطوات إصلاحية جادة. إذ إنها تعكس صراعًا بين أولويات قصيرة المدى لتمويل الحرب وإعادة الإعمار، وبين الحاجة الماسة لإصلاحات هيكلية لضمان استدامة النمو الاقتصادي. إن إقرار هذه الميزانية ربما يكون قد أنقذ الحكومة من أزمة سياسية، لكنه في ذات الوقت قد يضع إسرائيل في مواجهة أزمة اقتصادية غير مسبوقة في المستقبل القريب.
الكاتب: غرفة التحرير