يقود "دونالد ترامب" طغيان الغرب مجتمعًا كتعبير صارخ عن الدولة العميقة وأجهزتها في الولايات المتحدة الأميركيّة وسبقه "جوزيف بايدن" ومعهما "بنيامين نتنياهو" ممثل أجهزة الكيان الإسرائيليّ العميقة ووكيل يرتكب جرائم الإبادة والتهجير نيابة عن منظومة الهيمنة العالميّة؛ وفي هذا الإطار يأتي اجتماع قائد القيادة المركزية الأميركية مايكل كوريلا في "تل أبيب" مع رئيس أركان "الجيش" الإسرائيلي إيال زمير، فتغدو منطقة غرب آسيا كلّها أمام مخاضات خطيرة، ليكون العالم بأسره أمام إرهاصات جديدة لملامح مختلفة.
وصلت رسالة الرئيس الأميركيّ إلى طهران، بلغة دبلوماسيّة لا يتقنها لكنها مماثلة لتصريحاته في محتواها الصريح بقصف إيران بما لا مثيل له ما لم تخضع لإملاءاته.
جاء الرد الإيرانيّ مركّبًا ومدروسًا بعناية الاقتدار والدبلوماسية الجهاديّة المحسوبة، تنوّعت الاستعدادات بين عسكرية تأخذ بالحسبان أدنى الاحتمالات للمحتمل الأخطر، وبين سياسية تضبط فيها جبهتها الداخلية تجاه الفتن وزعزعة الاستقرار من جهة، وتستنفر مروحة خياراتها في سياساتها الخارجيّة على مرونة عالية لا تمس ثوابتها، أي لا مفاوضات مباشرة في ظل التهديد والوعيد، من جهة أخرى.
فاستدعت "طهران" السفير السويسري فيها باعتباره حامي المصالح الأميركية وسلمته مذكرة تحذيريّة رسمية بسبب استمرار شرور الكيان الإسرائيلي في المنطقة وتهديدات "ترامب"، وتم احتجاز ناقلتي نفط تحملان اسمي ستار 1 ووينتغ، على متنهما ٢٥ فردًا، في المياه الخليجية بسبب تهريب الوقود، بينما نشطت الدبلوماسيّة لا سيّما للرئاسة الإيرانيّة، فأجرى الرئيس "مسعود بزشكيان" اتصالات بنظرائه ومن أبرزهم في مصر وسلطنة عمان وأذربيجان والعراق، في سياق متصل بتطوّرات الأحداث الجارية.
رغم عدم رغبة إيران بتوسيع الحرب، يأتي الهجوم على غزّة ولبنان واليمن كمقدّمة للعدوان عليها، وقد سمع دبلوماسيوها كثيرًا من هذه التهديدات ضدها، ولم تعد هذه الخلاصة شيئًا جديدًا، لكنها أعلنت بأنّها لن تقبل الحديث معها بلغة القوّة ولن ترضخ أبدًا للغة التهديد؛ بل من واجبها القوميّ صيانة أمنها ودعم حركات المقاومة، أكثر من أي وقت مضى.
أمام هذا الواقع الأكثر خطورة، تصبح إيران وجبهة المقاومة أمام حكم الضرورة، مما يجعل الفعل المقاوم أمام ملمح جديد؛ على قدر التحدّيات الجارية والمستجدّة، ويفضي إلى جعل المحظورات السابقة خبرًا ماضيًا، تعيد معه خلط كافة الأوراق وتشيّد معادلات ردعها بإلحاح، أمام ما يطرحه العدو من "حرب وجود".
فالعدو ليس قدرًا، ونتائج جولتي حربه على غزّة ولبنان ارتطمت بصخرة الصمود الإعجازي الكبير، وهذه بعض المسائل التي يمكن التأمل بها:
- إذا كان "التطبيع" يفرض مقدّماته في الإلحاق الكلّي أو الجزئي أو ممارسة السيطرة الأمنيّة والسياسيّة والإداريّة والاقتصاديّة كأدنى المستويات الثلاثة، فإن فلسفة وجود المقاومة تقوم على إجهاض ذلك وإعاقته، وفي الذاكرة بطولات وانتصارات لم تنال من العدو الذي يباشر العدوان فحسب بل جعلت عملاءه وداعميه في حصادها، وهي مسألة كانت مجمّدة إلى حين، بفعل المعادلات السابقة ولإخفاء العملاء ما يضمرونه.
- إذا كانت القواعد الأميركيّة في الدول المستلبة لها في دول الخليج وغيرها، تهدّد إيران واليمن والعراق وتنال من وحدة سوريا؛ وتصادر إرادة شعوب منطقة غرب آسيا كافة، فإنها تصبح أهدافًا متاحة كانت مؤجّلة بمقتضى الأولويّة.
- إذا كانت انقلابات السلطة في سوريا ولبنان وما يراد له أن يستتب في العراق وغزّة، جاءت كمتمم للحرب العداونية الجامحة نحو القضاء التام على المقاومة ومنع إعادة الإعمار في لبنان وغزّة، فإن مخيّلة الضرورة تفرض تفكيرًا خصبًا وخلّاقًا في إباحة المحظور وقلب الطاولة وإحباط المؤامرة، وقد فعلتها جبهة المقاومة سابقًا في لبنان وسوريا صيانة لسلاح المقاومة وخط إمداده.
- لم يكن التلويح بالاستشهاديين وإلحاحهم على قيادة حزب الله وتظهير ذلك مسألة عارضة، بل هو خيار تفرضه الضرورة عندما تضيق السبل، أمام منابع الخطر الذي تصدّره الهيمنة في جنونها المستمرّ من كلّ مواقعها في العالم، وهناك وقائع دامغة في ذاكرتي العدوان والرد عليه.
- ترتفع خيارات المواجهة لدى حركات المقاومة في لبنان وغزّة الحليفة لإيران، بعد تهميش العدو الصهيوني لاتفاقية وقف الأعمال العدائيّة وعدم وفائه بمراحلها، ومع استمرار احتلاله للأرض وعدوانه اليوميّ وإبقائه على الأسرى وبعد فشل الدبلوماسية من بلوغ أهدافها وقد منحت كل الوقت. وإذا كان قد تجمّد استبباب الردع السابق، فلا يمكن التنكّر بأنه كُسِر في لبنان وغزة وسوريا، ونسبيًا في العراق واليمن، ومازال معلّقا في إيران على عملية الوعد الصادق (3)، مما يحفّز على تسوية تل أبيب بالتراب وتمريغ أنفها بما يضعها على طريق السقوط، وهو الهدف المركزي المشترك لمكوّنات جبهة المقاومة.
- إن فتوى تحريم صناعة السلاح النووي ليست قرارًا سياسيًّا يسهل تعديله، وإيران تؤكّد بصرامة بأنها لا تريد ذلك، وتبقى هذه الفتوى نافذة؛ لكن ممارسات الغرب المتوحّش على شعب إيران ومقدّراته وقياداته، وعلى ما أصاب الأمة الإسلاميّة من هول تلك الإبادة وسائر الارتكابات في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، قد يدفع الإمام الخامنئي من موقعه كمرجع وكقائد، وبوصفه الوليّ الفقيه العادل الحكيم الشجاع لإعمال القاعدة الفقهيّة عند اختلاف الحكم باختلاف موضوعه، فـ"الضرورات تبيح المحظورات"؛ إذا ما شخّص الضرورة الموجبة لذلك بمقتضى صناعته الفقهيّة العلميّة وتكليفه الإلهيّ.
هذه عيّنة من مسائل وشواهد وسيناريوهات عدّة تدور في خلد الاستراتيجيين الكبار داخل جبهة المقاومة، وقد دخلت هذه القاعدة الفقهية آنفة الذكر، مدار تفكيرهم العملياتيّ في إبداع الجواب التاريخيّ أمام لحظة مصيريّة لا يمكن التهاون معها، وقد أعذر من أنذر.